السيد محمدحسين الطباطبائي
196
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
داود وسليمان ، وقد مرّ أنّ العصر الواحد لا يكون فيه إلّا إمام واحد . قلت : إنّما يلغو ذلك إذا كانت الجهة واحدة ، وأمّا مع اختلافها - كأن يكون كلّ من الإمامين إماما لامّة على حدة ، أو يكون هنالك جهتان يسوق كلّ منهما إلى جهة خاصّة - فلا محذور ، كما يستفاد من دعاء موسى ، على ما يحكيه تعالى إذ يقول : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي « 1 » ويقول : إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ « 2 » والكلام في غيرهما قريب ممّا فيهما . فإن قلت : لو كان كما ذكرت كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مقتديا بمن سبقه من الأئمّة ، وهم أئمّته ؛ إذ يقول تعالى : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . « 3 » قلت : إنّه تعالى لم يقل : فبهم اقتده ، وإنّما قال : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وقد قال قبله : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ . « 4 » فإن قلت : هب ، أنّ الهداية الذاتيّة ثبتت بهذه الآيات ، لكنّ الإمامة - على ما مرّت - هي حقيقة الهداية ، وسوق الناس بحسب الحقيقة إلى اللّه سبحانه ، دون الهداية الظاهريّة فقط ، فكيف يمكن إثباتها ؟ قلت : الاهتداء الذاتي الظاهري لو تمّ بغير الحقيقة - بالمعنى الذي عرفت - كان المتّصف به مسوقا بسوق غيره ، فكان مقتديا بحسب الحقيقة ، فلا ينفعه اهتداؤه الذاتي ، فهو خلف ، وقد مرّ ما ينفع في هذا المقام في قوله : اهْدِنَا
--> ( 1 ) . طه ( 20 ) : 29 - 32 . ( 2 ) . الشعراء ( 26 ) : 12 - 13 . ( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 90 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 90 .